الأيام

«طبقات القصد».. الأبيض والأسود وتدرجاتهما لخلق مساحات من التأويل

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 10646 السبت 2 يونيو 2018 الموافق 17 رمضان 1439

ثمة قصدٌ هنا.. وآخرٌ يشيرُ لمعنىً مغايرٍ هناك.. ثمة فضاءٌ للتأويل، ينشدهُ الفنانُ علي البزاز، في معرضه الشخصي الأخير «طبقات القصد»، الذي افتتح يوم الثلاثاء (22 مايو)، في «فضاء مشق للفنون»، إذ يتخذُ البزاز في معرضهِ هذا، الفن منفذاً لتحريك الساكن، جاعلاً منه مثيلاً للنص، قابلاً لافتراض التآويل، ولهذا يحصرُ المتلقي بين لونين يثيران الكثير من الأسئلة في رمزيتهما، الأبيض والأسود، اللذان إذا ما دمجا أوجدا فضاءً من يتسعُ للتأويل والحروفيات.


يحرصُ البزاز في معرضهِ هذا على الحفاظ على هذه الثنائية اللونية «الأبيض والأسود، هما التناقض، الاختلاف، الدمج، التنافر، التقابل، هما كل المتناقضات، وربما التآلفات، فقد يرمزُ إلى ذلك الحوار الدائر بين طرفي نقيض، والذي يفضي إلى شيءٍ ما»، بيد أن وجود هذين اللونين، لا يجعلا من اللوحة محصورةً بهما، إذ هناك اللون الناتج عن دمجهما، ومراحل تدرجهما كما يقول البزاز، مضيفاً «الرمادي المتدرج؛ هو مساحة حركة الحروفيات، وهو مساحة التأويل والتفكر وخلق التصورات التفسيرية»، ولا يكتفي البزازُ بذلك، بل يضيفُ الأحمر، بشكلٍ متوارٍ، إلى جانب انحناءات الحروف ورقصاتها، لتعطي للوحة بعضُ حياة.


يرمزُ البزاز بـ «طبقات القصد»، أن التأويل لا يقتصرُ على معنىً واحد، هناك تآويل، كالطبقات، فكل شيءٍ قابلٌ للتعدد، «تعددُ القصد بتعدد النظر والناظر إليه، بتعدد تأويله»، هكذا «يصبح للمنتج الفني طبقات من القصد، كل طبقة تناظرها حالة مر بها الفنان في سيرة اشتغاله، وهو يحاول جاهداً تجسيد تلك المعاني للمشاعر والأفكار التي تمر بها البشرية، بتقابلاتها، وتنافرها وتناقضها.. هذا هو المعنى الأكبر للفنون».
بهذه الطبقات، يتحررُ البزاز، من شكليات الخط العربي التقليدي، ليدخلهُ في فضاء أكثر رحابة، ليس مباشراً، ولا هو معلوماً، كل ما هناك، مساحة للتأمل، إذ أن المباشرة تعني القصدية الغير قابلة للتأويل، والتي تعني بشكلٍ آخر لشكلٍ واحد وحياة واحدة، ورأي واحد، بيد أن الحياة لابد أن تكون واحدة، إلا أن تصوراتها وأشكال معيشتها إذا ما كانت واحدة، حال الفردُ والفكر إلى الجمود والسكون، فـ «حياة واحدة لا تكفي؛ لأنها تشبه قصداً فقيراً واحداً فيها، أنها بذلك تشبه سيرة خاصة، سيرة ميتة»، من هنا تجيء أهمية تلك الطبقات التي لا تنحصرُ بالمفهوم التقني للعمل الفني فقط، بل تتجاوزهُ للبعد الفكري، الذي يتيح للمتلقي أن يشرد في خيارات القصد، ليغني بصرهُ ويشطحُ بالمفهوم الإيجابي في إبحاره.


وليت للمتلقي ذلك وظف البزاز الحروفيات العربية في مساحة اللوحة، بجانب اللون والتكوين، وارتكزت أعمالهُ كما أسلفنا على اللونين الأبيض والأسود وتدرجاتهما التي تعطي اللون الرمادي بمختلف دراجته، إذ يمثلُ هذا اللون بحد ذاته، قصداً.
هذا ويؤمن البزاز بأن المجتمع الفني العربي، ليس بعيداً عن نظيره الغربي، إذ أن هناك تقاربا في النتاج، لا يقل أهمية واحترافية عن ما يقدم هناك، وذلك نتاج انفتاح الواقع اليوم، وسهولة الاتصال والوصول، التي اتاحت الاطلاع على التجارب الفنية المختلفة ومجارتها، ولهذا من الضروري على الفنان أن يطلع على تجارب الآخرين، وإلى أين وصلت، ليكون على معرفة بحركة الفن، وليعرف أين مكانتهُ على هذه الخارطة، كما عليه أن ينتقل بفنه الخاص إلى فضاء أكثر رحابة، خارجاً من الإطار التقليدي، وهذا ما ينطبق على الخط العربي تماماً.

كلمات مفتاحية
Show more